استضافت قاعة “الندوات المتخصصة”، في إطار فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي ال57 ، ندوة فكرية موسعة بعنوان «توظيف الموروث الشعبي في أدب الطفل»، ناقشت العلاقة بين التراث والهوية وبناء وعي الطفل العربي في ظل التحولات الرقمية والثقافية المتسارعة، وذلك بمشاركة الكاتبة والباحثة الدكتورة سارة طالب السهيل والكاتب الأردني محمد جمال عمرو والكاتب العراقي علاء الجابر.
وأدار الندوة كاتب ادب الطفل عبده الزراع. وتحدثت الدكتورة السهيل، فقالت: “الموروث الشعبي ذاكرة وهوية وأداة لبناء الوعي وهو ذاكرة جمعية حية، لا تنتمي إلى الماضي فقط، بل تمتد في الحاضر وتؤثّر في تشكيل وعي الطفل وسلوكه وهويته. وأوضحت أن الموروث الشعبي يشمل الحكايات، والأساطير، والأمثال، والأهازيج، والألعاب الشعبية، وكل ما تناقلته الأجيال شفهيًا قبل أن يُدوَّن”، معتبرة “أن هذا الإرث يعكس منظومة القيم والأخلاق والرؤية الكونية للمجتمع”.
وأكدت السهيل أ”ن الكتاب يظل الأساس الذي تنطلق منه كل أشكال المعرفة، مهما تنوعت الوسائط الحديثة”، موضحة “أن أي عمل مرئي أو رقمي، سواء كان فيلمًا كرتونيًا أو مسلسلًا أو لعبة إلكترونية، يعود في جوهره إلى نص مكتوب وفكرة مؤلفة. وشددت على أن المشكلة ليست في تطور التكنولوجيا، بل في مضمون ما يُقدَّم للطفل وكيفية صياغته”.
وتطرقت سارة طالب السهيل إلى التحدي الأكبر الذي يواجه كُتّاب أدب الطفل اليوم، والمتمثل في القدرة على تقديم نص لغوي عميق في قالب عصري سريع الإيقاع، يحترم عقل الطفل ولا يستهين به، دون التخلي عن القيم التربوية والإنسانية.
وأشارت إلى “أن دراسات علم النفس التربوي تؤكد أن الحكايات الشعبية تلعب دورًا محوريًا في تنمية الخيال الرمزي، وتعزيز المهارات اللغوية، وبناء القدرة على التفكير المجرد، فضلًا عن إسهامها في تشكيل المنظومة الأخلاقية للطفل”.
وقدمت أمثلة عملية على إمكانية إعادة قراءة الرموز التراثية بصورة معاصرة، موضحة أن شخصيات مثل «الغول» أو «العفريت» لا يجب أن تُقدَّم للطفل كمصدر رعب فقط، بل يمكن توظيفها كرموز للتحديات والمخاوف الداخلية التي يواجهها في حياته اليومية، بما يساعده على فهمها والتعامل معها بدلًا من الهروب منها.
كما أكدت أن الأمثال الشعبية تمثل مادة ثرية لأدب الطفل إذا أُعيد تقديمها في سياق قصصي مبسط، مشيرة إلى “أن مثلًا شائعًا كـ«الصبر مفتاح الفرج» يمكن تحويله إلى قصة إنسانية قريبة من واقع الطفل، تُظهر أثر الصبر في التعلم والعلاقات والحياة، بدل الاكتفاء بترديده كمقولة مجردة”.
وشددت السهيل على “أن الموروث الشعبي يُسهم في ترسيخ الهوية الوطنية والانتماء الثقافي، ويمنح الطفل إحساسًا بالجذور والاستمرارية التاريخية”، مؤكدة “أن اللغة العربية من أغنى لغات العالم بالموروث الشفهي والسردي، وأن الحكّائين والشعراء استخدموا هذا التراث عبر العصور لنقل القيم الإنسانية بأسلوب بسيط وعميق في آنٍ واحد”.
وأوضحت “أن السرد الشعبي يعتمد على التكرار والإيقاع، وهما عنصران يتناسبان بطبيعتهما مع التكوين النفسي للطفل، ويساعدان على تثبيت المعنى في الذاكرة، مع ضرورة مراعاة قِصر النص، والتركيز على بطل أو اثنين، وتجنّب التعقيد السردي الذي لا يتناسب مع مراحل النمو المختلفة”.
وحذّرت الكاتبة السهيل من “بعض أشكال المحتوى المرئي والدرامي المعاصر الذي يُقدَّم للأطفال دون رقابة فكرية، ويحمل رسائل تشويش وفوضى قيمية قد تؤثر سلبًا على وعيهم”، مؤكدة “أن المسؤولية لا تقع على الكاتب وحده، بل تمتد إلى الأسرة والمؤسسات الثقافية والإعلامية”.
وفي ختام كلمتها، دعت السهيل إلى توظيف أدوات العصر، مثل التطبيقات الذكية، والذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، في إعادة إحياء الموروث الشعبي العربي، من خلال قصص تفاعلية وألعاب تعليمية مدروسة، مع التأكيد على أهمية تحديد الفئة العمرية بدقة، والتطوير المستمر لأدوات الكاتب بما يواكب احتياجات الطفل المعاصر دون التفريط في جوهر الهوية.
