نظم “منتدى الارز” ال “Cedars Forum” مؤتمر في مستشفى سيدة لبنان الجامعي – جونية، بعنوان “العقيدة وصلابة المجتمع: معادلة البقاء الوطني في زمن التحديات والتحولات” تحت شعار “من الإيمان والتجذر… إلى إعادة صناعة الوطن”، شارك فيه عدد من الأكاديميين ورجال الدين والمتخصصين في الشأن الوطني والاستراتيجي.
استهل المؤتمر أعماله بجلسة افتتاحية حول أهدافه الفكرية والوطنية والتشديد على “أهمية الربط بين العقيدة والقيم الوطنية من جهة، وإعادة بناء الدولة والمجتمع من جهة أخرى، باعتبار أن الإيمان بالوطن والتمسك بالهوية يشكلان ركيزة أساسية للصمود والاستمرار في مواجهة الأزمات”.
الجلسة الأولى
افتتحت الجلسة الأولى بمداخلة للمدير العام للمستشفى الدكتور فادي سعد بعنوان “الإنسان أولاً: المجتمع اللبناني بين الذاكرة الجماعية وفلسفة الصمود”، شدد خلالها على “أهمية التربية الوطنية في بناء الإنسان المواطن، وعلى ان حماية الأسرة وتوجيهها على أسس سليمة يشكلان المدخل الأساسي لتعزيز الالتزام الوطني وترسيخ ثقافة المسؤولية والانتماء، بما ينعكس إيجاباً على استقرار المجتمع ومستقبل الوطن”.
ثم اكد الاب هاني طوق في مداخلته “الإيمان كقوة صمود: مقاربة فلسفية ولاهوتية للبقاء والوجود والهوية”، أن “صمود الشعوب لا يقاس فقط بقدرتها على البقاء المادي، بل بقدرتها على الحفاظ على المعنى والهوية والذاكرة الجماعية”، وعرض مقاربة فلسفية ولاهوتية تربط بين الإيمان والاستمرارية التاريخية، مشيراً إلى أن “المجتمعات التي تمتلك رسالة واضحة ورؤية للمستقبل تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات والتحديات”.
و تناول الدور “الذي لعبه الإيمان المسيحي عبر التاريخ في حماية الهوية والحفاظ على التراث واللغة والذاكرة الجماعية”، مستشهداً بمحطات من الكتاب المقدس وتجربة المسيحيين في لبنان، “حيث شكّل الإيمان والارتباط بالأرض والحرية عوامل أساسية في الصمود والاستمرار”.
وشدد على “أهمية التربية والتراث والرسالة في تعزيز الثبات الوطني”، معتبراً أن “التحدي الحقيقي اليوم لا يقتصر على الحفاظ على الوجود، بل يتمثل في الحفاظ على الرسالة والدور الحضاري للبنان كمساحة للحرية والتعددية والكرامة الإنسانية”.
اما الدكتور عماد مراد، فتحدث عن “لبنان التاریخي: الھویة، الجذور، وإشكالیة استمراریة الكیان” وتناول “تطور الھویة اللبنانیة عبر التاریخ، و أثر التحولات الإقلیمیة على صیغة لبنان و قراءة تاریخیة لعوامل الصمود والانھیار”، وربط بين الماضي والحاضر متوقفا عند المخاطر التي واجهت اللبنانيين، وخصوصا المسيحيين زمن المماليك والعثمانيين”، وشدد على “تخطي الصعوبات كما حصل عند نفي الزعيم اللبناني يوسف بك كرم وايام المجاعة الكبرى”.
ثم تحدث عن ثلاث مخاطر هددت الكيان اللبناني بعد الاستقلال، الناصرية والفلسطينيين والاحتلال السوري”، وقال :”كل هذه المخاطر زالت وبقي لبنان وبقي المسيحيون”.
وختم :” ان الخطر الاخير على الكيان والوجود هو الهيمنة الايرانية على البلد بواسطة حزب الله، وهو الاخطر في التاريخ المعاصر، لكن اليوم هذا الخطر بدأ يزول ونحن في ظل رئيس سيادي وحكومة سيادية مدعومة دوليًّا وعربيًّا وداخليًّا، والمستقبل المشرق سيطل من جديد وحينها سيتم فتح نقاش بمستقبل النظام”.
واختتمت الجلسة بمداخلة للدكتور محسن المكاري بعنوان “لبنان وسط التحولات الإقليمية والدولية: بين التفاوض على البقاء وإعادة التموضع الاستراتيجي”، تناول فيها التغيرات العميقة التي يشهدها النظام الدولي وانتقاله نحو تعددية أكبر في مراكز النفوذ، وما تفرضه هذه التحولات من تحديات وفرص أمام لبنان، وأكد أن “مستقبل البلاد يتوقف على قدرتها على الانتقال من موقع الدولة الهشة إلى الدولة الفاعلة القادرة على التفاوض وحماية مصالحها الوطنية”.
وشدد على “أهمية تعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ الشرعية الداخلية والخارجية، واعتماد التفاوض الاستراتيجي كأداة لتحقيق المكاسب الوطنية”، داعيا إلى “الاستثمار في القوة الناعمة اللبنانية، والاغتراب، والاقتصاد المعرفي، والدبلوماسية متعددة المسارات، بما يتيح للبنان إعادة تموضعه في بيئة إقليمية ودولية متغيرة”.
وختم مؤكدا أن “صمود لبنان لا يتحقق فقط عبر إدارة الأزمات، بل من خلال بناء رؤية وطنية جامعة، ومجتمع متماسك، ودولة قادرة على التكيف وتحويل التحديات إلى فرص للنهوض والاستقرار”.
توصيات
وفي الختام أكد المشاركون، أن” صلابة المجتمع اللبناني لا تنبع فقط من قدرته على مواجهة الأزمات، بل من تمسكه بجذوره التاريخية وقيمه الروحية والوطنية، ومن إيمانه بضرورة إعادة بناء الدولة على أسس المؤسسات والكفاءة والشراكة الوطنية الحقيقية”، وشددوا على أن “مستقبل لبنان يتطلب تعزيز التربية الوطنية، وحماية الأسرة، وترسيخ الهوية التاريخية، وتفعيل دور المؤسسات الروحية والثقافية، إلى جانب تطوير رؤية استراتيجية قادرة على مواكبة التحولات الدولية والإقليمية، بما يضمن استقرار الوطن واستمراريته”.
واختتم المؤتمر أعماله بالتأكيد أن “إعادة صناعة الوطن تبدأ من الإنسان المؤمن بقضيته، المتمسك بجذوره، والمنفتح على المستقبل، ليبقى لبنان رسالة حرية وتعددية وصمود في محيط يشهد تغيرات متسارعة”.
