لاحظ رئيس “لقاء الهوية والسيادة” يوسف سلامة، “في قراءة سريعة وشاملة لمسار دولة لبنان الكبير منذ الاستقلال حتى اليوم، أن سنة ١٩٤٣، كان لبنان في ذروة قوته. نال استقلاله وكان في طليعة دول المشرق، واعترف العالم به، باستثناء سوريا التي كانت ولا تزال بالنسبة للبنان الحلقة الأضعف، وجوع السلطة، ثقافة الفساد وانعدام الرؤية، ثلاث علامات فارقة طبعت العهد الاستقلالي الأول”.
وقال: “فشل لبنان خلال هذا العهد بتحييد نفسه عندما دخل كعضوٍ مؤسّس في جامعة الدول العربية. اشترط حينها أن تؤخذ قراراتها بالإجماع ليتفادى الانزلاق في سياسة المحاور. مع ذلك تنازل عن هويته المتمايزة وكرّس سقطته الأولى. حاول الرئيس شمعون خلال العهد الاستقلالي الثاني تصحيح المسيرة، فأطلق ورشة عمرانية شاملة لكنه اصطدم بصعود نجم الرئيس جمال عبد الناصر الذي تخطى طموحه حدود مصر. والتزم بحلف بغداد لمواجهته، كان التزامه سيف ذو حدّين، له ما له، وعليه ما عليه. وأنقذه من جرعة السمّ من جهة، لكنه أدخله في سياسة المحاور وأبعد عنه كأس الحياد وحرمه نعمته من جهة ثانية، فانفجرت معركة الولاء من جديد وتسبّبت بثورة ١٩٥٨ التي انتهت بشعار غير مفهوم “لا غالب ولا مغلوب” الذي شكّل سقطته الثانية”.
أضاف: “حاول الرئيس فؤاد شهاب أن يرمّم الجمهورية في العهد الاستقلالي الثالث ويُنقذها من الانتحار السريع، بنى المؤسسات وحمى سيادة الدولة بالشكل من خلال اجتماع “الخيمة” على الحدود اللبنانية السورية مع الرئيس جمال عبد الناصر، الحاكم المطلق الصلاحية لسوريا آنذاك، لكنه أصاب السيادة في العمق عندما التزم معه بكل عناوين السياسة الخارجية وسمح لسفير دولته “عبد الحميد غالب” بأن يقوم بدور المفوّض السامي غير المعلن على لبنان. وخلال عهد الرئيس حلو الذي اعتُبر امتدادًا للعهد الشهابي، شهد لبنان أول إنذار للنظام المصرفي اللبناني بإفلاس بنك إنترا، تزامن ذلك مع حرب ١٩٦٧ التي احتلت خلالها إسرائيل ثلاثة دول عربية في ثلاثة أيام وأطبقت على فلسطين، بعدها تمّ التوقيع على اتفاق القاهرة مع “ياسر عرفات” الاتفاق الذي أسقط شعار “لا غالب ولا مغلوب” وكرّس الغلبة الواضحة لمؤامرة تغييب لبنان كقوة فاعلة ووازنة في المنطقة وتسبّب بسقطته الثالثة والقاضية التي أدخلت الوطن في غيبوبة لا يزال يعيشها حتى اليوم وأصابت الكيان التاريخي إصابات موجعة”.
وتابع: “نستنتج: أولا عذرًا صائب بك، شعار “لا غالب ولا مغلوب” لا يصلح لديمومة الوطن. ثانيا إصابة السيادة بنكسة، هزيمة قاتلة للأوطان. ثالثا تحكّم الشعبوية والتكاذب في الحياة السياسية وتغييب الرؤية وثقافة المنطق والفكر والفلسفة والتاريخ والجغرافية عن الحياة الوطنية، أوقعوا لبنان في المحظور. رابعا حان الوقت لنبلغ سنّ الرشد كلبنانيين ونحتكم للعقل ونُعيد بناء الوطن على أسس ثابتة وصلبة، محصّنة بهويته اللبنانية، وبرسالة إنسانية جامعة تقوم على حماية الذات من الاختراقات من جهة، وعلى تأسيس ثقافة سلام وانفتاح مع الغير دون استثناءات مُسبقة من جهة ثانية”.
وختم: “أيها اللبنانيون، تخلّوا عن غرائزكم الطائفية، فالدين لله والوطن للجميع، تعالوا نكتشف معًا مصلحتنا المشتركة، فخير لنا أن نتّعظ ولو متأخرين بأنّه لا يحقّ للبنان الرسالة أن يُقفل نوافذ السلام بوجه أحد، من ألا نتّعظ أبدًا. لبنان يستحقّ، فلنسرع معًا لإنقاذه”.
